ابن خلدون

374

تاريخ ابن خلدون

طولها من المغرب إلى المشرق ستون ميلا وعرضها من ناحية الغرب عشرون ميلا ومن ناحية الشرق خمسة عشر ميلا وبين فرضتيها في ناحية الغرب ستون ميلا وشجرها التين والنخل والزيتون والعنب واختصت بالنسيج وعمل الصوف للباسهم فيتخذون منه الأكسية المعلمة للاشتمال وغير المعلمة للباس ويجلب منها إلى الأقطار فتنتقيه الناس للباسهم وأهلها من البربر من كتامة وفيهم إلى الآن سدويكش وصدغيان من بطونهم وفيهم أيضا من بعده وهوارة وسائر شعوب البربر وكانوا قديما على رأى الخوارج وبقي بها الآن فريقان منهم الوهبية وهم بالناحية الغربية ورياستهم لبنى سمرمن والنكارة وهم بالناحية الشرقية وجربة فاصلة بينهما والظهور والرياسة على الكل لبنى النجار من الأنصار من جند مضر ولاه معاوية على طرابلس سنة ست وأربعين فقدم إفريقية وفتح جربة سنة سبع بعدها وشهد الفتح حسين بن عبد الله الصنعاني ورجع إلى برقة فمات بها ولما تزل في ملكة المسلمين إلى أن دخل دين الخوارج إلى البربر فأخذوا به ولما كان شأن أبى زيد سنة احدى وثلاثين وثلاثمائة فأخذوا بدعوته بعد أن دخلها عنوة وقتل مقدمها يومئذ ابن كلوس وصلبه ثم استردها المنصور بن إسماعيل وقتل أصحاب أبي زيد ولما غلبت العرب صنهاجة على الضواحي وصارت لهم أخذ أهل جربة في انشاء الأساطيل وغزوا الساحل ثم غزاهم علي بن يحيى بن تميم بن المعز ابن باديس سنة تسع وخمسمائة بأساطيله إلى أن انقادوا وضمنوا قطع الفساد وصلح الحال ثم تغلب النصارى عليها سنة تسع وعشرين وخمسمائة عند تغلبهم على سواحل إفريقية ثم ثار أهلها عليهم وأخرجوهم سنة ثمان وأربعين ثم غلبوا عليها ثانية وسبوا أهلها واستعملوا على الرعية وأهل العلم ثم عادت للمسلمين ولم تزل مترددة بين المسلمين والنصارى إلى أن غلب عليها أيام عبد المؤمن بن علي واستقام أمرها إلى أن استبد أمراء بنى حفص بإفريقية ثم افترق أمرهم بعد حين واستبد المولى أبو زكريا بن السلطان أبى اسحق بالناحية الغربية وشغل صاحب الحضرة بشأنه كما قدمناه فتغلب على هذه الجزيرة أهل صقلية سنة ثمان وثمانين وستمائة وبنوا بها حصن القشتيل مربع الشكل في كل ركن منه برج وبين كل ركنين برج ويجاوره حفير وسوران وأهم المسلمين شأنها ولم تزل عساكر الحضرة تتردد إليها كما تقدم إلى أن كان فتحها أيام السلطان أبى بكر على يد مخلوف بن الكماد من بطانته سنة ثمان وثلاثين واستضافها ابن مكي صاحب قابس إلى عمله فأضافها إليه وعقد له عليها فصارت من عمله سائر أيام السلطان ومن بعده واتصلت الفتنة بين أبى محمد بن تافراكين وبين ابن مكي وبعث الحاجب أبو محمد ابن تافراكين عن أبيه أبى عبد الله وكان في جملة السلطان ببجاية كما قلناه ولما وصل